الشيخ محمد هادي معرفة
463
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والفارق بين الآيتين هو السياق ، حيث مساق الكلام في الآية الأولى مساق الحديث عن البعث والنشور ، فناسب التعبير بالهمود بعده نشور . والهمود هو الخمود والهدوء يشبه همود الموت . أمّا الآية الأخرى فسياقها سياق عبادة وضراعة فناسب التعبير بالخشوع ، خشوع الذلّ والاستكان ، يقال : خشعت الأرض إذا يبست ولم تُمطَر . والشواهد على ذلك كثيرة ووفيرة في القرآن . حالات كائنة أبرزها الترسيم هناك الكثير من قصص قرآنيّة هي ترسيمات لحالات واقعيّة كائنة ، حكايةً عن أمرواقع ، وليست مجرّد فرض أو تخييل . وهذا كحديث الأمانة وعرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ، إنّه كان ظلوما جهولًا . « 1 » وهذا تمثيل لعرض الاستعدادات . كان الإنسان أكثر استعدادا وأقوى قابليّة لحمل الأمانة ، وهي ودائع اللّه أودعها الإنسان لقابليّته الذاتيّة . والتي هي عبارة عن العقل وقدرة الهيمنة والإبداع ، وحتّى يكون خليفة اللّه في الأرض . استحقّ الشموخ إلى هذا المقام الرفيع ، بفضل قابليّته الفائقة ، غير أنّه جهول بشأن نفسه ظلوم لا يعرف قدر نفسه . « 2 » فهذا ترسيم رائع للقابليّات واستجلاء أرقاها وأقومها ، وهو أمر واقع وليس محض خيال . وحديث « أخذ الميثاق » : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » « 3 »
--> ( 1 ) - من الآية 72 من سورة الأحزاب 33 . ( 2 ) - راجع : تفسير الصافي للمحقّق الفيض الكاشاني ، ج 2 ، ص 369 - 371 ؛ والميزان في تفسير القرآن ، ج 16 ، ص 371 - 372 ؛ وللعلّامة جاراللّه الزمخشري تحقيق أنيق في هذا المجال . راجع : الكشّاف ، ج 3 ، ص 565 . ( 3 ) - الأعراف 172 : 7 .